يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

فضول هدهد

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
‏فضول هدهد!.. نور ناجي أخذت صفرة الصحراء تتبدد حين لاح الزرع البهيج في الأفق، فرد الهدهد جناحيه حين تذكر غضب الملك لحظة اكتشاف تغيبه السابق، فشد قبضة مخالبه وحاول تجاوز...

‏فضول هدهد!..

نور ناجي

أخذت صفرة الصحراء تتبدد حين لاح الزرع البهيج في الأفق، فرد الهدهد جناحيه حين تذكر غضب الملك لحظة اكتشاف تغيبه السابق، فشد قبضة مخالبه وحاول تجاوز الريح فلم يعد من مجال لغفران أو أعذار تقيه غضبه!..

لم يمض الوقت حتى حط على أطار نافذة القصر المفتوحة، مازالت القاعة كما تركها، جدران مصقولة بعناية ومزينة بصور الحيوانات والرموز الغريبة، اغمض عينيه واستنشق عبق بخور المكان، أي رائحة؟!، لم يلتقط مثلها حتى في جناح الملك الخاص!..

أمال رأسه ليجد العرش العظيم في مكانه كشمس أضاءت ما حوله، بالتأكيد سيبقى مكانه، من لديه القدرة على زحزحته؟!..

مازال ينقل خيط بصره في الأرجاء حين سمع ضوضاء تنبئ بوصول الملكة، ترى كيف سيكون رد فعلها على الرسالة التي يحملها؟!، لم ينتظر طويلاً حتى استقرت على عرشها وألقى برسالته عليها قبل أن يتخفى قدر ما أمكنه، لن يكون سعيداً بنهايته مشوياً على يد أحد حراس مملكة سبأ!..

نظرت الملكة بريبة إلى ما استقر في حجرها، أي مكيدة أسقطت عليها ذلك الشيء؟!، رفعت رأسها لتجد سقف قصرها صامتاً عن البوح فعادت لتمد يدها وتفرد الصحيفة، لم يكن الرومان أو اليونان قد اكتشفوا بعد ورق بتلك النعومة, فمن قام بهذا العمل المتقن؟! تسائلت مقطبة الجبين قبل أن تتجهم للحروف المكتوبة بعناية:
“إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ،
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ!”..
أي رسالة مختصرة؟!.

أخذ الوزراء يتسائلون عن سبب صمت الملكة وتغير حالها قبل تخاطبهم وهي تضع الصحيفة بين أيديهم :” يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ!”..

تبادل الوزراء الصحيفة بينهم البين حتى وصلت لقائد الجيش الذي لم يكد ينهيها حتى طواها بغضب وهب من مقعده هاتفاً :” نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ!”، ارتفعت أصوات التأييد في القاعة لتستأذن الملكة مستشاريها وتتجه نحو المعبد!..

لم تكن بحاجة للصلاة بل إلى السكينة التي غالباً ما منحتها أياها جدران المعبد، فقد كانت الوحدة سبيلها للتشاور مع الرب حتى بعد انطفاء ضوء النهار!..

زفرت بحرارة حين تراقصت حروف الرسالة أمامها مجدداً، من ذلك الغريب الذي تجرأ على مملكتها، ألم يسمع بجيشها من قبل، أو أنه سمع ولم يبالي؟!، بدى الحزم على حروفه بل أنه تعمد ذلك حين لم يترك مجالاً للجدل أو فرصة لخيارات أخرى، “هل كان قوياً لتلك الدرجة أو أراد ايهامها بذلك، لعله مصاب بمس؟!”، تمتمت قبل أن تكمل :” قوي أو مجنون، كلاهما خطر على المملكة!”..

مررت أصابعها على نقش الشمس المنحوت على أحد أعمدة المعبد، لم تتوقف حروف اسمها عن تذكيرها بانتمائها “للربة”، “بلقيس”، أي “وهج الشمس”!..
كان قومها قد عافوا عبادة الأصنام والأحجار ولم يرضى عقلهم بديلاً عن “الشمس” وأحياناً “القمر” لتكون “الهتهم”، فكيف للمدعو سليمان أن يتوهم سهولة تخليهم عن معتقداتهم؟!..

ثم من هو “الله” الذي دعاها وقومها إليه ووصفه “بالرحمن الرحيم”، يمكنها الاطمئنان إلى صفة “الرحيم”، إلا أن “الرحمة” مسألة نسبية ويرجع مقدار منحها لصاحبها، “فكيف تسلم مملكتها لرب مجهول الطبع، وتراهن على ذبح شعبها؟!”، همست وهي تنظر صوب المذبح قبل أن تغادر المعبد..

مرت أيام وصل فيها الهدهد أدراجه، وأخذ يخبر سليمان بردة فعل ملكة سبأ إزاء الرسالة وهو يلتقط ما قدم له من حبات دخن وماء بارد، بينما لم تتوقف الملكة بلقيس عن رفض فكرة الحرب أمام وزارئها :” إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ!”، لم تكن بالمرأة الضعيفة، امتلكت شدة وقوة فاقت بها الرجال لتحافظ على مملكتها حتى ظن العامة والخاصة بأن الجن يساندها!..
إلا أنها امرأة وتدرك مخاطر الحروب أكثر من قادة الجيوش، لا تصمت صرخات القتال عند ساحات المعارك، مازالت تسمع الأبرياء يرددون صداها وإن لم يشاركوا فيها!..

عليها في البدء التأكد من حقيقة صاحب الرسالة ودراسة إمكانياته وقدرته الفعلية، مزيد من الوقت سيكون مفيداً لكسب معركة مجهولة ستجبر على خوضها، أما لو صدق حدسها وثبت لها تفوق سليمان وربه عليها، لا بأس بمقايضة ترضيهما وتحافظ _في ذات الوقت_ على مملكتها..
طالما عشقت المعابد وأربابها رائحة البخور وقبلت بهبات “المر”، لن تعجز عن إقناع الملك بتلك الصفقة، حزمت بلقيس أمرها وشاركت مستشاريها بما توصلت إليه :” إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ!”..

لم تكد قافلة مملكة سبأ تحط على أبواب قصر سليمان حتى أدرك الملك مكيدة بلقيس فهتف متوعداً رسولها :” أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ،
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ!”..

لم يحمل مرسال الملكة إليها تهديد سليمان الذي لامس مخاوفها وحسب بل وصف لها مملكته العجيبة بابنيتها وشوارعها والثراء البادي على أهلها، عدى الجيش الذي لم يتمكن هو أو جواسيسها من إحصاء بعضه، كل ذلك قبل أن يهتف :” كان هناك جان، نعم، جان حقيقي، سخره سليمان للخدمة والعمل تحت طوعه!”..
صمتت بلقيس بعد ذلك النهار طويلاً..

” يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ؟!” هتف سليمان بعد أن علم بخروج ملكة سبأ إليه، لا بد وأنه كان قد سمع ما يتداوله العامة عن القرابة التي تربط ملكة سبأ بالجن، وليس أفضل من مقارعتها باسلحة تدعي امتلاكها!..
لم يكن سليمان ليرضى باسلام مزيف، لا بّد من تصديق حقيقي!..

لم تتوقف ملكة سبأ عن الابتهال حتى أطلت مملكة سليمان، متى بنيت هذه الأرض وكيف أمتلك بشر عادي مثل هذا الملك، أمر خارج عن طبيعة البشر والجان أقام هذا المُلك؟!..

“أي حماقة جعلتها تتوقع كسب رضى سليمان ببعض البخور!” سخرت بلقيس من نفسها وهي تترجل عن خدرها وتلمح الموكب المخصص لاستقبالها!..

لعل الملك أخفى إعجابه بالملكة المقبلة تجاهه، يدرك أكثر من أي إنسان معنى المُلك وإغواء السلطة، زهو الخلود الذي يشعر به صاحبه لحظة نحت اسمه على جدار ما أو تمثال _أن لم يتزن بالعقل والحكمة_، ملوك غيرها كانوا فضلوا إحراق ممالكهم عن تنازل سهل!..
على الأغلب أن الله منح تلك السيدة الكثير من الحكمة ورجاحة العقل، كما منحه ووالده من قبل!..
تمنح النعم استحقاقاً أو امتحاناً، ويبدو أن بلقيس قريبة من تجاوز اختبارها!..

وقفت الملكة أمام عرشها وقد اختلط عليها، هل يعقل أن يكون هو؟!، لم تتوقف قافلتها عن عن السير ليل نهار وبأسرع الخيول والجمال، فكيف يسبقها العرش إلى وجهتها وقد تركته خلفها، مازالت الحيرة تتلاعب بها وهي تقطع طريقها إلى الملك سليمان حين رفعت ثوبها لتتحاشى بركة من الماء، لتسمع من ينبهها :”إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ !”..

تركت بلقيس عنها بقية من عناد وسجدت على الأرض، هناك رب خلف ما ترى، رب رحيم كما وصفه سليمان، ولن يرضى إلا أن توازي رحمته “العظمة” التي لم ترى سوى جزء بسيط منها :” قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!”..

رفعت الملكة رأسها بعد سجود طويل لتبتسم للهدهد الذي أخذ يحلق حولها سعيداً، كان فضوله من تسبب في إسلام أمة بأكملها، ولن يتوقف الزمن عن تداول فضله بسهولة!..
لعل الطيور أيضاً تشعر بالزهو عندما تتمكن من تخليد اسمها بطريقة أو باخرى!..

 

مقالات قد تهمك