الدَّهشةُ أصلُ الإنسان

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
الدَّهشةُ أصلُ الإنسان طارق السكري أهلاً؛ قبل سنوات، كانت بيني وبين الشاعر الصديق مختار محرم، وقفة حول كلمة، في وقتها كانت تلك الكلمة، تمثل لنا إشكالية معرفية. كلمة انطباعية...

الدَّهشةُ أصلُ الإنسان

طارق السكري 

أهلاً؛

قبل سنوات، كانت بيني وبين الشاعر الصديق مختار محرم، وقفة حول كلمة، في وقتها كانت تلك الكلمة، تمثل لنا إشكالية معرفية. كلمة انطباعية تتردد على الألسنة.. نسمع بها ونرددها، ونحس بها، ولكن لا نقدر على التعبير عن ماهيتها بوضوح. ولا ندري إن كانت هذه الكلمة لها وزنها في الميزان النقدي ساعتها. قال مرةً مداعباً: بيتك الشعري جميل ولكنه غير مدهش! قلت متعجبا: غير مدهش! حسنا، ما معنى دهشة؟ وكيف تكون القصيدة مدهشة؟ فلم يكن جوابه مقنعا، وأظنه لم يكن مقتنعا بإجابته يومذاك.

 

هل يوجد شاعر أو كاتب لا يرغب في أن يكون منجزه الأدبي مدهشاً؟

 

توهَّمتُ "الدهشة" عندها مدينة ساحرة ولكنها من مدن الخيال.. لا يمكن أن تتجلى لبشر.. وإنما يظل الوعي يجر عربته ركضاً في فيافي الأبد نحوها، بحثا عن الكنز المدفون في رمالها، كي يسيطر على العالم، وهيهات!

 

افترقنا، وذهبت الرياح بي وبصديقي كل مذهب.

غير أن هذه الكلمة الدَّهْشاويّةَ ظلت مستحوذةً على اهتمامي.. في كل بناء قصيدة.. في قراءة نص أدبي.. أفتح أعين ذهني وأبحث عن الدهشة التي أحسها ولا أراها! حتى إنني بعد سنين كتبت قصيدة كاملة في "الدّهشة"؛ محاولة للحفر من تحتها، لأصل إلى حقيقتها وجوهرها. سأضعها نهاية المقالة بإذن الله

 

أعتقد أن المفكر، كلما امتد به العمر، يجد أنه يحتاج إلى ما يسمّى ب: ضبط المفاهيم أو المصطلحات.

 

وفي الحقيقة إن مثل هذه " الدهشة "، ترد في الدرس النقدي كثيراً؛ ولكن بمسميات مختلفة أحيانا؛ كمصطلح: المفارقة اللغوية.. عنصر المفاجأة.. كسر التوقع.. وغيرها من المصطلحات الفنية التي تعنى بفكرة: كسر المألوف وتشكيل العالم من جديد.

 

أما عن المفارقة اللغوية، فهو مصطلح معروف، وهو مذكور في كتب البلاغة مثل: تقنية التضاد والمقابلة، واللعب على تقنية الانزياح، وغيرها من التقنيات، مثل ماذا؟

 

لكن قبل الإجابة، لابد من الإشارة إلى أن البلاغة والإلمام بمثل هذه التقنيات وحدها لا تصنع دهشة، إنما تكمن الدهشة في ما يمكن أن يسمّى: الخلطة السريّة لصناعة الدهشة.. تلك التي تجعل النص ينبض بالحياة في روع القارئ.

 

ليست الدهشة مجرد استحسان جمالي أو مجرد اهتزاز نفسي أو انفعال عابر يندلع فجأة لحظةَ سماع أو رؤية ما لامس أعماقنا بقوة، فنصرخ: الله! الله! ما هذه الروعة يا جنِّي؟! ثم لا تلبث جذوة تلك الحماسة أن تنطفئ!

 

الدَّهشة أصل الحكمة (عبد الغفار مكاوي – 81)؛ فضول معرفي يقودنا إلى السؤال والبحث عن السر الكامن وراء هذه الدهشة؟ لماذا انفعلت نفسي بهذا النص؟

 

كيف يمكن أن يستمر وهج الدهشة محتفظا بحرارته وجنونه؟

 

تأملوا دهشة المفارقة في هذه الآية الكريمة:

﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: 31)

إن الشرك هنا، وهو أمر معنوي غير مدرك بالحس.. شأنٌ داخلي، لكنه يُشَبَّه بحسّيّ (لأن الصورة لابد أن تقوم على جانب حسي) فالشرك يُشبّه بسقوط جسدٍ مِن عَلُ ( علو )؛ سقوطٍ عنيفٍ لا رجعة فيه.

وعند تفكيك هذه الصورة والتي تولد عنها ذلك الاهتزاز النفسي " الدهشة ".

نرى هذا السقوط الفوريّ المفاجئ:" خَرَّ من السَّماءْ "

كما نرى هذا التعدد في صور الهلاك:

فهو إما تتخطفه الطير، وإمَّا تهوي به الريح. بمعنى أنه لا أمل في النجاة، فالمصير مظلم من كل الجهات. ثم إن هذا المكان السحيق، قاع بعيد مظلم، لا يُدرَك له قرار!

هذا تصوير فني، ونسج لغوي محكم، باعث على الدهشة والانفعال والتخييل.

إن هذه الصورة التشبيهية تتضاعف لأن التشبيه هنا يتجاوز المألوف، ليقرَّ في عمق النفس، متسببا في الشعور بالفقد " أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق ".

 

وفي الشعر أمثال ونظائر:

هناك بيت شعري جميل، للشاعر عبد الغني المقرمي، يحدث عن فتاة تعشق الشعر:

أهديتُني ديوانَ شِعرٍ لها

في المخدع الورديّ تقرؤني

 

المفارقة اللغوية هنا، تكمن بين كلمتيْ: الشاعر، وبين قراءة الشاعر!. فالشاعر ليس كتابا، إن الكتاب هو الذي يُقرأ، لأنه يحتوي على لغة، نتوصل من خلال هذه اللغة إلى الفهم، ومن خلال الفهم، يتشكل السلوك. إذن، فكيف يكون الإنسان لغة أو نصا مكتوباً، وهو منتج اللغة أصلاً؟

هنا تكمن الدهشة.. هنا ما يسمّى بِكسر التوقع.. هنا التصادم بين المألوف وغير المألوف. العقل يتوقع: أن الشاعر أو الإنسان هو الذي يقرأ، فإذا به يصبح مقروءاً!

أهديتُني ديوانَ شِعرٍ لها.. في المخدع الورديّ تقرؤني

كيف أمكن الجمع بين أشياء متنافرة أو غير منسجمة؟

هنا يتجلى لنا اللاعب الخطير والصانع لهذه الخلطة الإبداعية: الخيال. والخيال ببساطة: طاقة في العقل لديها القدرة على الجمع بين الأشياء المتنافرة، وتنسيق في سياق لغوي بياني.

 

وكذلك؛ هناك بيت للشاعر بشار بن برد، حيّر من قوته الدكتور الأخضر عيكوس؛ يقول فيما معناه رداً على الدكتور البدوي، والذي يشيد كثيرا بالصورة الفنية المعاصرة وينتصر لها على حساب القديم، يقول معلقاً: كل هذا صحيح، ولكن لا ندري ما وجه الاختلاف الفني بين الصور الشعرية السابقة من إثارة الدهشة في نفس المتلقي، وبين هذه الصورة التي يقدمها شاعر قديم كبشار بن برد؟ (مجلة الآداب – العدد 03).

كأنه يقول:

كيفَ نَصِفُ شاعرا كبشار بن برد بأنه شاعر قديم، وهو يستخدم صورا فنية معاصرة؟!

وهنا سؤال على الهامش:

ألا تعد نظريات الصورة المعاصرة امتدادا طبيعيا للصورة الشعرية العربية القديمة؟ فلماذا رمي البلاغة العربية القديمة بالجمود وضعف الخيال وأنها ظلمت ذات الشاعر؟

يقول بشار بن برد:

وكيفَ تَنَاسَى مَن كأنَّ حَدِيثهُ

-بِأُذني- وإنْ غَيَّبتُ قُرطٌ مُعلَّقُ

 

يا للروعة!

إن الدهشة هنا تأتي من المفارقة بين الحسي والمعنوي: "الحديث" وهو أمر معنوي مجرّد، يُشبَّه بـ "القرط المعلق"، وهو شيء حِسِّي ملموس. ثمّ الجمع بينهما في سياق بيانيّ مخصوص. كما في تعريف الدكتور عبد القادر القط في تعريف الصورة الفنية. سياق لغوي بياني مخصوص.

 

إن العقل هنا لا يتوقع هذا التشبيه، لأننا لا نُعلّق الكلمات والعبارات كما نُعلّق الحلي في الأذن!، لكنَّ بشار فعل ذلك بوعي فني ، وبصيرة عالية، وخلق صورة تجمع بين الّلامرئي ( الحديث ) والمرئي ( القُرط ). هذا الجمع غير المتوقع هو ما يحدث الدهشة.

 

لنقل إذن:

كما إنّ من خصائص الهواء: قابلية الضغط والتمدّد، وخاصية الماء: التبخّر عند التسخين، فكذلك، من خصائص المفارقة اللغوية أو الفنية: الدهشة.

 

وأختم بقصيدتي: مخطوطةٌ عن الدَّهْشة

 

الدَّهشةُ

ما الدَّهشةُ؟!

وطنٌ

يلقاك على طرقِ الغابِ

وحيداً

تنكزك شياطينُ الليلِ

إلى لا أيْنَ؟

ووجهك

محرابُ الأحزانْ

 

ما الدَّهشةُ؟َ

وطنٌ يلقاك على التِّيهِ

شريدا

تتقلَّبُ في كفِّ التِّيهِ

بعيدا

فَيَخِفُّ لعينيك صديقاً

وَأَباً

تنهل من حكمتهِ

أُمَّاً

تنشج في راحتها

داراً

تجمعُ كلَّ الأهلْ

فإذا الزوجةُ والأبناءْ

أبراجُ الأملِ الوضَّاءْ

 

ما الدَّهشةُ ؟

ما سرُّ الدّهشةِ ؟

تأخذنا من حضن الوقتِ

وتطلقنا في الَّلاأوقاتْ

تقرعنا كَوَدَاعةِ طفلٍ

وَتُهَدْهِدُنا بالبسماتْ

 

هل نصٌّ شعريٌّ

أشبهُ في فطرتهِ بالمرآةْ؟

طيفٌ بَرَدَونِيٌّ

يبصق في وجهِ السُّلطاتِ

ويركلُ حرفَ "الدَّالِ"

ويضحكُ

يسخرُ

من كلِّ الشَّاراتْ

 

ما سرُّ الدَّهشةِ؟

هل نورٌ

يعصرهُ اللهُ الوهَّابُ

فتنبتُ أزهاراً ونجوماً

آهاتُ الحكماءْ؟

أو وحياً يَمنحهُ اللهُ

كراقصةِ الباليه

خيالاتِ البؤساءْ؟!

 

الدَّهشةُ!

حبٌّ خلَّابٌ

مدَّ ذراعيهِ..

عالمُ أنغامْ

أجنحةٌ بيضاءُ ترفرفُ

في الدنيا..

أرواحُ غمامْ

 

ثغرٌ

يَتفتَّقُ أشعارا

وحقولاً

تطلع من ساقِ

امرأةٍ

تنبسط كؤوساً وعذارى

 

خدٌّ يتطقَّسُ

أخبارَ العشقِ

ويُطعمُ في طلعتهِ

الجَوْعى والأيتامْ

يَهْمي خبزاً

ومرافئَ للعينِ الهَلْكى

والأحلامْ

 

ما الدَّهشةُ؟

ما سرُّ الدَّهشةِ؟

مفتاحُ القدَرِ الجبَّارْ

تعنو كلُّ المدن الكبرى

في قبضتهِ

ويُبايعهُ كلُّ نهارْ؟!

 

طارق السكري

ماليزيا

11 مارس 2021

مقالات قد تهمك