إن التّجدّد شرط البقاء
طارق السكري- 2024
كنت ولا زلت أقول لطلابي: القراءة مفتاح النهضة.. والتعلم عملية خلق ، والثقافة قوة تصنع صناعة.
تبعتني طالبة مرة، وكانت ذات ذكاء مرتفع، فقالت: يا أستاذ، في حياتي ما رأيت معلما للغة العربية ملمَّاً بالثقافة، والروايات، وله في معارض الكتاب، حكايات وقصصٌ، مثلك!
فكنت أقول لها: أحافظ على نفسي يا ابنتي.. فالعمر قصير.
نعم، لا يتغير إلى الأفضل، من لا يعرف شروط التغيير في نفسه أولا، أو بمعنى آخر، من لم يعرف نفسه، ضعفه وقوته.. لا يتغير.
أنا شاعر وكاتب، ومعلم للغة العربية، شغفي بالمعرفة جعلني أكتشف صوتي الداخلي منذ الصغر، وأنا الآن في قاعة الجامعة محاضرا في اللغة العربية، وأحث السير لنيل شهادة الدكتوراة في الأدب العربي. رغم أن الشهادة ليست بطاقة الإنسان التعريفية، بل شغفه بالقراءة وإسهاماته في نشر الوعي والفضيلة.
نعم، قلت لها: إنني أحافظ على نفسي.
إن توقف العقل عن الإبداع يعني دخول العقل في حالةٍ مِن ترهّل عضلات القوى الخلّاقة، حيث يصبح العقل "العِفْريتي" غير قادر على توليد أفكار جديدة أو رؤية الأمور من زوايا مختلفة.
هل تعلمون أن هناك أشخاص أشبه بمكينة لتوليد الأفكار؟! لهم في الشركة مكتب مريح، يتقاضون مرتباً شهرياً.. ولا يفعلون شيئا غير الاسترخاء! لأنه لا أفكار ملهمة ولا أفكار إبداعية بغير هدوء وتأمل وصفاء.
ما الذي يجعل العقل الشاب يصاب بشيخوخة مبكرة؟ بالمناسبة؛ هل يمكن أن يصاب العقل بالشيخوخة المبكرة؟
ما فائدة الحياة إن اجتاحتك أعراض الشيخوخة، وأنت لا تزال في الصفوف الدراسية؟!
ما الشيخوخة؟
ربما الشيخوخة التآكل الدّاخليّ!
الخوف من الفشل أو الخوف من المستقبل، الإرهاق الزائد على اللزوم، البيئة غير المحفزة، الروتين القاتل، الإحباط أو الاكتئاب الحاد، الحديث السلبي مع النفس، عدم الرغبة بالقراءة.
كل أولئك عوامل تفتيت عميقة، تنخر في العقل والجسد.
بلا شك؛ إننا نعيش في ظروف صعبة.. لا ندري من أين نبدأ في الحديث عن مشاكلنا أصلاً! لكنها من المؤكد أقل من مشكلة الفتاة البريطانية هيلين كيلر.. تلك الفتاة التي فقدت حاسة السمع والبصر وهي في الصغر.. ثم أصبحت بعد ذلك، أعظم كاتبة في التاريخ!
حقاً؟
أجل، أعظم كاتبة في التاريخ.. أما عن : كيف؟ فاسمع الشاعر العربي القديم، يلخص لك الإجابة:
خَلقَ اللهُ للحروبِ رجالاً
ورجالاً لِقصعةٍ وثريدِ
إن سوق العمل لا يحابي.. والأيام القادمة وفق التقارير الاقتصادية، ستتطلب مهارات فوق العادية.
وليس الغرض بالحروب هنا في البيت المعنى الحرفيّ للكلمة، وإنما الحياة كلها ميادين حروب منفتحة على بعضها، وعليك أن تتسلَّح بالكلمة.
الإصرار.. واستصحابُ روحِ التحدِّي، واقتحامُ المغامرة.
نعم، نعم، كل هذا يمكن!
لكنك لم تخبرني.. كيف استطاع الموسيقي العالمي: بيتهوفن، أن يعزف المعزوفة التاسعة، وهو أصم؟! كيف، والموسيقى أساساً سمعية، تعتمد على تحليل النغم، وتذوق الصوت وتقطيعه وتصنيفه وترتيبه، وفق الزمن أي وفق وحدات إيقاعية خاصة! لم يسمح بيتهوفن لهذه الإعاقة بتدمير شغفه. لو فعل ذلك، لتآكل من الداخل، وسقط.
ربما لديكم من القصص ما تتفوقون بها عليّ دهشةً وإلهاماً! ولكن أين الجمرة الداخلية المشتعلة؟
من يحدثنا عن هذه الجمرة المشتعلة قليلاً؟ ما طبيعتها؟ هل هي حقيقية؟
أن يفقد العقل القدرة على الإبداع! هذه أعظم مشكلة قد تُلحِق -بالمبدع خاصةً- كوارثَ نفسية معقدة.. قد يمرض المرء نفسياً.. قد يشعر بالعجز الدائم.. فيفقد معناه الوجودي: ما الغاية؟ ما فائدتي في هذه الحياة؟ ويصبح فضاء خياله معتماً!. ولأنه لم يقدم للمجتمع شيئا، ربما اهتزت صورته في أعين الناس، فيفقد احترام من حوله. أليس في هَرَم " ماسلو " أن تقدير الذات من أهم حاجيات النفس الإنسانية؟
الأمر غاية في الخطورة، لذا، كان لابد من التجدد، والانسجام مع سنن الكون، القائمة على التجدد.. وليس كالقراءة انبعاثا وشباباً وجدة.
إن الإنسان الذي يرفض التعلم أو الإبداع، أو يتوقف عن مواكبة التغيير الإيجابي طبعاً، يكون قد مات!!
لعلكم أدركتم أن الموت هنا ليس موتا جسدياً بالضرورة.
قال تعالى: (أَوَمَنْ كان مَيْتاً، فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به..) الأنعام. إذن؛ إنّ لفلسفة الحياة والموت في القرآن الكريم أبعادا ودلالات مدهشة.
وعلى ذات السياق؛ أليس الإبداع حياة العقل؟ لماذا تشرق الشمس كل يوم؟ فكما أن الشمس تُشرق كل يوم لتبعث النور، فإن الإبداع يُشرق في عقل الإنسان ليضيء وجوده.
إننا عندما نكتب، نشعر براحة.. كأننا نبعث فجرا جديداً، يحرك السكون في أعماقنا، ويمنح أرواحنا إشراقة جديدة. كذلك القراءة تجدّدٌ لخلايا وشباب العقل. بدون قراءة، يصبح العقل مثل غابة ميتة، جذورها عالقة في الفراغ.
مرة، يعلم الله، كنت في طابور المدرسة، أحفز الطلاب، وأحمسهم لبداية يوم جديد، والدخول إلى الفصول بنفسية جديدة كجدة ذلك الصباح الذي كنّا فيه، ولأن المدرسة كانت ساحتها على الهواء الطلق، وتعرفون أنتم طبيعة ماليزيا الخلابة، فكان أن انسابَ على لساني كلام لم أكن محضرا له من قبل! لكنه أثر في الحاضرين، وأثر فيَّ كذلك!
قلت:
إن الإنسان الذي لا يواكب سنن الكون يتناقض مع طبيعته. الكون يجدد نفسه كل يوم.. الكون يمضي للأمام، والإنسان الذي لا يقرأ ولا يتعلم ولا يبدع ولا يتناغم مع سنن الكون، هو في الحقيقة كمن يمشي إلى الوراء.. كمن يغرد خارج السرب.. إنه يناقض فطرته.. إنه يدمّر ذاته.
في كتابه: قلق المعرفة، للدكتور السعودي سعد اليازغي، كلام عن القلق جميل، استهله ببيت للشاعر البردوني يقول فيه:
يا شعرُ، يا تاريخُ، يا فلسفة
من أين يأتي قلقُ المعرفة؟
يقول فيما معناه: إن القلق المعرفي، الباعث على السؤال، ظاهرة صحية، أما السلام الداخلي، فإشكالية.
وليس أدل على ذلك؛ من قصة " بقية بن مخلد "! بقية بن مخلد لم يكتفِ بقراءة الكتب، بل حمل متاعه من الأندلس، وعبر البحار، متخفيّاً في هيئة فقير أو شحّاذ، ليتحصل على حديث واحد في اليوم من الإمام أحمد بن حنبل؛ أيام إقامة الإمام الجبرية في البيت.
يا اَلله! أي قلق معرفي هذا! أي أمة كانت تعشق القراءة كأمة الإسلام عبر التاريخ! وأي جمرة مشتعلة هذه التي جعلت رجلا يتخفى في ثياب الشحّاذين من أجل طلب العلم!
اقرؤوا في سير أعلام النبلاء عن " بقيّة بنِ مخلد "
إن العمر مجرد رقم بالفعل.
إن القراءة الإبداعية خاصة.. دماء جديدة.. خلايا.. مناعة.. سعادة.. حماية للهوية الشخصية من التآكل.
قال صاحب المعرَّة:
لولا عجائبُ صنعِ الله ما نَبَتتْ
تلك الفضائلُ في لحمٍ ولا عَصَبِ
أليس التجدد شرط البقاء؟.