اعتذار لسبتمبر 1962

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
نص وجداني عميق يعتذر لثورة 26 سبتمبر بعد ستين عامًا على قيامها، ويستعرض الخيانة والانقسام الذي ضرب اليمن، داعيًا إلى توبة وطنية تعيد للجمهورية معناها وروحها. د. علي الحاوري أستاذ...

نص وجداني عميق يعتذر لثورة 26 سبتمبر بعد ستين عامًا على قيامها، ويستعرض الخيانة والانقسام الذي ضرب اليمن، داعيًا إلى توبة وطنية تعيد للجمهورية معناها وروحها.

د. علي الحاوري أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء

مرحباً سبتمبر

سلامٌ عليك

كَدَأبِك دائما، تأتي في موعدك، في يومك، في ساعتك. هو ديدنك منذ ستين عاما أو تزيد..

لكنك من أعوام مضت تعود إلينا وعلينا بحال غير الحال؛ تعود عابس الوجه مفطور القلب فائض الحسرات..

ليس لنا ان نعجبَ من حالك وشكل قدومك

وليس لنا ان نسالك او نلومك !

حقٌ لك يا سبتمبر ان تَعبُس في وجوهنا، ان تَشِيْحَ بوجهك وتطردنا..

لا عتب عليك ولا عتاب

ما الذنب ذنبك، وما الجناية جنايتك. نحن الجناة المذنبون. نحن المغفلون الساذجون!

نعلمُ احزانك يا سبتمبر ونعلم السبب!

ما عُدت ترى شيئا من ضوئك، من غِراس يمينك، مما شيدت، مما سقيت، وأحييت.

 ما عدت ترى عقولًا متقدة، أو ضحكات الناس وابتساماتهم.

من عقول متّقدة أو كانت في طريقها للاتقاد، من ضحِكات الناس وابتساماتهم!

ما عادت الأرض أرضك ولا السماء سماؤك. !

لقد صار ما كان عاليها سافلها وصار ما كان سافلها عاليها !

قبل أن تأتينا بإشعاعك، كانت البلاد رمادا. كانت ثقبا للموت.

 ما كان ثمة باب مفتوح. ما كان ثمة طريق للسير. لا ضوء، لا ماء، لا هواء، لا دواء.

ما كان ثمة شيء غير الحواجز والاصفاد

أتيتَ يا سبتمبر فأتى معك وعلى يديك الوجود؛ وجودُنا والعالم.

أسديت لنا أعظم ما يُسْدى باطلاق: الحرية.

وما هي الحرية؟: هي التي لا يكون الإنسانُ إنسانا بحق إلا بها. هي لب الإنسان وجوهره، هي لب حياته، دليل وجوده. بوجودها يوجد الإنسان وبغيابها ينعدم ويفنى.

لا شيء أعظم جلالا وقيمة من الحرية.

 

-2-

أتيت يا سبتمبر بالحرية التي أعادتنا إلى إنسانيتنا.. التي بفضلها وُجدنا

فكَكْت قيودنا ومددتنا بالضوء

أوقدْت في رؤوسنا جذوة التفكير

شققت لنا الطريق المباشرة إلى الله؛

المحققة وحدها رضوانه

جعلتها-كما أرادها الله-خالية من القوارض

حررتها من الكمائن والمصائد

ابعدت من يحجب عنا ضوء الخالق

نحن الناكثون الجاهلون.. يا سبتمبر

ما قدَرْناك حق قدرك

جهلنا فضلك وفضيلتك ولو قدرناك حق قدرك لأسكناك حدقات العيون

ما إن شبِعنا من إحسانك حتى غدرنا بك

تركناك على قارعة الطريق

لأعدائك أسلمناك

للسيول والزواحف

للعواصف والقواصف

ألقينا عليك حجارة من سجيل

بعناك في سوق النخاسة السياسية

وكنا البائعين وما نبيع. كنا التجار والبضاعة

خذلناك ومن جاؤونا بضوئك. من حملوا رؤوسهم على أكفهم يوم الميلاد

فعلنا ذلك هازئين مقهقهين.

...

نعتذر اليك يا شهر شهورنا، يا حبل وريدنا

ظنناك في حرز حريز وحصن حصين

اعمانا الغرور، أسكرنا التنازع

اغوتنا شياطين الإنس

ألقى الشيطان في عيوننا غشاوة الثأر

القى شباكه، أجري تلبيساته، احكم تهويماته

توهمنا أنفسنا جبالا شاهقة، وما كنا غير سراب خادع

اثملتنا السلطة، اقتتلنا على نفاياتها، وفي ثنايا سكرتنا ذهبت الدولة وذهبنا..

رمى بعضنا بعضا بالمنجنيق

دككنا حصوننا من الداخل

عصاةٌ نحن جاحدون..

بُلينا يا سبتمبر ب.. صيد…ض..

قراصنةٍ يصيدون غيرهم لغيرهم..

يصيدون القريب للبعيد، الكبار للصغار، العقلاء للديماغوجية

بنادق-هم-تحت الطلب

سماسرة المبادئ والارواح.

يا شهر شهورنا

يا من أتانا بليلة قدْرِنا الوطنية، ويوم أيامنا

يا خيلا “يَجري ولا يُجرى معه

يا ضوءا ذبحناه من الوريد إلى الوريد

يا شعاعا طَعَنّاه بمدية الأحقاد

يا ملاكا رفعناه على عُود وصلبناه

اقترفنا الذنوب والخطايا..

بذلك أقررنا ونقر

جحدناك فانهالت علينا العقوبات وصارت حياتنا عقبات.

قد صرنا صيدا في شباك اعدائك

هل لنا من توبة فنتوب؟*

أهنالك بابٌ للعودة فنعود؟

كأنما تريد منا العهد!

كأنما تريد منا الميثاق!

نعاهدك

نعاهدك 

*توبة وطنية

مقالات قد تهمك