بين الحياة والموت

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
أنتَ حيٌّ بقدرِ ما تكافحُ الموتَ داخلَك وخارِجَك. عليك أن تحرُسَ حياتَك جيدًا، وألّا تسمحَ للموتِ بالتسلُلِ إلى قلبِكَ وعقلِك، وألّا تدعَهُ يلتهمُك أو يسلُبُك بعضًا منك. أنتَ مسؤولٌ...

   أنتَ حيٌّ بقدرِ ما تكافحُ الموتَ داخلَك وخارِجَك. عليك أن تحرُسَ حياتَك جيدًا، وألّا تسمحَ للموتِ بالتسلُلِ إلى قلبِكَ وعقلِك، وألّا تدعَهُ يلتهمُك أو يسلُبُك بعضًا منك. أنتَ مسؤولٌ عن حياتِك كما أنّك مسؤولٌ عن موتِك. من المُهمّ أن تسألَ نفسَك: "كمْ أنا حيٌّ وكمْ أنا ميتٌ؟ كمْ ماتَ منِّي اليومَ والليلةَ؟ كمْ مات منِّي الآن؟ وماذا مات مني؟ كم أنا حيٌّ؟ وكم أُغَالِبُ الموتَ ودواعي الفناء؟"

بالأمسِ شعرتُ بالموتِ يكثُرُ ويكْبُرُ داخِلي، كما لم أشعُرْ به من قبل. بالأمسِ رأيتُهُ، تبَيّنْتُ ملامِحَهُ، وقررتُ مطاردتَهُ والإمساكَ بهِ في مَجَاهِلِ الرُّوح. قررتُ استعادةَ حياتي من بينِ أشداقِهِ. قررتُ الحياة. وجدتُني أُصَارِعُ موتًا كثيرًا يُنَازِعُنِي الحياة. وجدتُ أمامي عملاً إحيائيًا كبيرًا يتطلَّبُ تشمير العزم. من أين أبدأ تفحُّصَ نفسي؟ من أين أبدأ جولتي الاستكشافيةَ هذه، بحثًا عمّا ذهب ومات فيَّ؟ بحثًا عمّا صارَ من حظِّ الموتِ، وما بقي من حظِّ الحياة؟ عمّا فَسَدَ وتَلَفَ، عمّا انطفأ وهَمَدَ، وعمّا يوشكُ على الذّهاب؟


ثمةَ أفكارٌ ميِّتةٌ يجبُ أن تنفيها بعيدًا، توخِّيًا للسلامة. وأفكارٌ تعيش حالةَ إغماءٍ، تحتاجُ إلى إعادةِ إنعاش. في القلبِ ركامٌ من الموتِ ينتظر التقليب: مشاعرُ سوداء، نقمة، ضَغائنُ، أحقادٌ، أحزانٌ مقيمةٌ، وهنٌ، سأمٌ، إحباطٌ، بشرٌ بغيضون، عدوانية، كراهية، أدواءٌ مُزمنة. كمْ في القلب من موتٍ يجهزُ على بواعثِ الحياة؟ كمْ من الشرور؟ وكم من العُتْمَةِ المُسْتَحْكِمَة؟

يا الله، أعِنِّيْ على كلِّ هذا الموات، أحيِنِي بك، وأعِدْ وصلِي بمصادِرِ الحياةِ والضياءِ، ومنابِعِ الفرح. الموتُ والحياةُ مخلوقان فينا، يبتلِيانِنا خلقًا وتجديدًا؛ هذا للبِلَى وتِلك للجِّدَّةِ والتَّجَدُّدِ. الحياة اختيارٌ يتطلب مجابهتنا اليومية لمِيْتاتِنا المُعتادةِ، ويتطلبُ حساسيةً مفرطةً بالحياة. نحنُ نموتُ باختيارنا في الحياة، وما المِيتَةُ الأخيرةُ إلا انتقالٌ لحياةِ الأبد. "الموت لا يرعب الحكماء". "الوجود هو هذه الرغبة في أعماقنا، الرغبة في الحياة التي تحملنا على الخوف من المصير إلى العدم". خلقَ اللهُ فينا الموتَ والحياةَ ليبلُوَنَا أيُّنا أحسنُ عملاً، ولا يمكن للإنسان أن يكونَ أحسنَ عملاً إذا لم يُحسِن العمل داخله، ولم يكن أحسنَ عملاً داخل ذاته، في أعماق روحه وعقله.


العملُ الأحسنُ اختيارًا ينتمي للحياةِ، وهو حصادُ عِرَاكِكَ مع الموتِ وأسبابِ الشقاءِ التي تدعو إلى الإنهزام والنكوص والانطفاء. إذًا، نحتاج في كلِّ آنٍ إلى التأكُّدِ من حجمِ الموتِ داخلنا مقابلَ منسوبِ الحياةِ. وما أرانا نظفرُ بحياةِ الخلودِ ونحنُ نخلُدُ إلى موتٍ كثيرٍ يسكنُ أعماقَنا وأفكارَنا وتصوُّراتِنا، أقوالَنا وأفعالَنا، نهاراتنا وليالينا. هل يستوي الأحياءُ والأمواتُ في الحضورِ والغياب؟ وهل يستوون عند الحيِّ القيُّوم؟

يحتاجُ المرءُ – ربَّما - يوميًا إلى أن يتحوَّلَ إلى بستانيٍّ جيِّدٍ يتعهَّدُ بالسقيا لما ذَوَى وذَبُلَ داخلَ روحهِ. يحتاجُ إلى خِبرةِ مهندسٍ زراعيٍّ يعرفُ أمراضَ الزُّرُوعِ والثمارِ، ويحتاج إلى مهارةِ طبيبٍ، بل ربما أطباءَ بتخصصاتٍ متنوعةٍ، ويحتاج إلى مَسَاءَاتِ عِنايةٍ مركزةٍ. الإنسانُ يحتاجُ لأن يطمئنَّ في كلِّ وقتٍ على حياتِهِ وحيويَّتِهِ، ليتأكَّدَ من أن خلاياهُ وجوارحَهُ وحواسَّهُ كلَّها حيّةً تضُجُّ بالحياة.
يحتاجُ إلى أنْ يتلمَّسَ روحَهُ وأشواقَهُ، خفقانَ قلبِهِ، آمالَهُ وطموحاتِهِ، رؤاهُ ونظراتِه وخطراتِه. أرانا في إدارتِنا لحياتنا لا نلتفتُ كثيرًا إلى ما فينا من الموات! يعيشُ فينا الموتُ ونعيشُ فيه. الفقرُ موتٌ يعودُ إلى فقرِ الرّوحِ وموتِ الإرادة.

"إن المبدأ الأساس لكل ما في الوجود هو الإرادة. بزوال الإرادة يزول الوجود". القهرُ موتٌ يبدأُ من داخلِ الروح. هذا الموت المجاني الذي يترصدنا ليل نهار بدأ في الظهور بأشكالٍ وصورٍ من خياناتنا للحياة، بدأ خضوعًا للشروط السالبةً للوجود، وانغماسًا في العفن، واستسلامًا للفناء، وعجزًا عن الإنتصار للحياة. من المهمِّ أن نبدأَ البحثَ داخلنا. كلُّ ما فقدناه ونَفْقِدُهُ هو نتاج فقدانات بدأت داخل العقل والروح. مواتُنا العامُ هو حصادُ مواتِنا الخاصّ.

ثمَّة موتٌ يستوطنُنا ببطءٍ حتى يغدو جزءًا منا، بحيثُ لا نعودُ نراهُ أو نُحِسُّ بهِ. من المهمِّ هنا إعادةُ إحياءِ حساسيتنا بالحياة، وتقليب المفاهيم والتصورات، وإعادةُ التقييمِ، والتأكدُ الدائمُ من مؤشرات البقاء، ومعرفةُ أين نقِفُ بين الموتِ والحياة. نحن نفتقد الأحياء إذ يرحلون. وبقدر ما كانوا أحياء يكون أسى الموت وألم الفقدان. وتجيء المراثي الناعية لموت الكبار كتخليدٍ لمن عاشوا أزمنتهم بامتلاء، وكانت حيواتهم حبًا، وخصبًا، وبذلًا، وبعثًا، واحتفاءً غامرًا بالوجود.

مقالات قد تهمك