“الجهل الحقيقي ليس غياب المعرفة إنما رفض تحصيلها”
د. محمد عبد الخالق
يسيطر على عقول كثير من الشباب اليوم في مجتمعنا اليمني على وجه الخصوص ثقافة الرفض للمعرفة وعدم تقبل الرأي الآخر والاستفادة من تجارب الآخرين حتى ولو بدت لهم إيجابية ومقنعة. وذلك يعود لعدة أسباب نفسية، ثقافية، واجتماعية. فقد يكون الشخص ذو بعد منبسط الشخصية كما تناول ذلك هانز أيزنك في أبعاد الشخصية على مستوى النمط، وهو شخص اجتماعي يستمتع بالحفلات، وله صداقات، ولكنه لا يحب الاطلاع منفرداً، ويسعى وراء الإثارة ويقوم بأعمال ليس من المفروض أن يقوم بها، ويتصرف دون تروّ، مندفع، ويأخذ الأمور ببساطة ويتمتع بالتفاؤل، غير مكترث. هذه الشخصية قد تكون الشخصية التي لا تتقبل النقد ولا تشعر بتعطش للمعرفة، فلا ينهل إلا مما هو مقتنع به سابقاً “ولو تحاول (تحرف) له الدش يرجعه زي ما كان كما مثل ذلك محمد الربع في برنامج عاكس خط في احدى حلقاته” هذه الشخصية لها إيجابيات أيضاً، ولكن ما يقلق أنّ هذه الشخصيات أصبحت نمط سائد خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي.
ما المشكلة أن يتعلم الانسان من درس في الحياة دون أن يضع نفسه في الصعوبات فالشعوب تبني حضاراتها على تجارب سابقة. لماذا في بعض الحالات نجد كثير منا محصنين جداً ضد معلومات تتحدى افتراضاتنا؟ ولماذا يقع العديد منا في مقاومة معلومات أو حقائق معتمدة على تجارب أو أبحاث تطوير شامل أنتجت في كثير من دول العالم؟ وفي المقابل تكون عقولنا مثل الاسفنج تمتص الأخبار ونبدأ في تداولها عن أمور غير معقولة، ولم تحدث من قبل، مثل الأخبار التي تداولها الكثير عن يوم الصيحة في رمضان الماضي على سبيل المثال أو رسائل الواتس اب: “أمانه ترسلها الى 100 وستسمع خبر جميل.“هنالك امثال متداوله أعتقد أنها فُهمت بطريقة سلبية وتدعو لرفض المعرفة وبخاصة في مجتمعنا اليمني مثلاً: “ما نزل من السماء لقفته الأرض”، و “ما جاء من الله حيا به”، و “ابعد عن الشر وغني له” (يعني مش بس تتجنب الشر وعدم مواجهته لكن زيد غني له ونافق).
وكذلك المثال الذي يقول “مع إخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب” (يعني افعل الخطأ وأنت عارف أنه خطاً فقط لكي تبقى مع الجماعة) مثل هذه الأمثال وفهمها بطريقة الشارع اليمني “بتودي الواحد في ستين داهية”. لقد أصبح كثير من شباب اليوم ممانع لاكتساب المعرفة ولا يسعى لها بل ويحاربها. هنالك مقاومة للمعرفة والسائد ثقافة سطحية مكتسبة من الانستقرام والفيس بوك فقط يعرض كتاب ميكائيل كلنتمان مقاومة المعرفة: “Knowledge Resistance: How we avoid insight from others” اكتشافا عميقا للقضايا التي تحيط هذه الظاهرة المزعجة والتي نحن بحاجة لسبر أغوارها وإدراك خطرها. يقول البروفسور دنبار استاذ علم نفس التطور في جامعة أكسفورد:” إن هناك قليل من الاشياء قد تكون أكثر أهمية حاليًا من محاولة إلقاء الضوء على مقاومة المعرفة في عصر الانترنت، والتي قد لا تكون ظاهرة جديدة، ولكن تأثيرها على حياتنا اليوم يبدو أنها تهديد كائن للبشرية”.
بكل وضوح في مجمل تلك الأشياء التي أشار اليها البرفسور دنبار تهديدا للبشرية، فكلما غرق الفرد في وحل الجهل وظلام العقل وكلما قاوم المعرفة ولم يفتح عقله ليتعلم ويستفيد من تجارب الاخرين ومعرفتهم كلما أصبح أخطر من الفايروس القاتل كورونا. الجهل أكبر عدو للإنسان وما حالنا وصراعاتنا إلا نتاج حتمي للجهل وعدم وضوح الرؤية وعدم الاستفادة من تجارب العالم والانطلاق من حيث انتهى الآخرون. لقد صدق كارل بوبر بأن: “الجهل الحقيقي ليس غياب المعرفة إنما رفض تحصيلها”.