يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

الاجتهادات العقلانية للفقيه المجتهد والمتكلم الأصولي أبي بكر الأصم

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
رغم إعجابي بتراث المعتزلة الفكري فقد كان يحز في نفسي غياب موقفهم الواضح من الشرعية الشعبية للسلطة السياسية واكتفائهم بإسقاط الشروط العنصرية كالفاطمية والقرشية، ولا أستسيغ التكفير الضمني في مبدأ...

رغم إعجابي بتراث المعتزلة الفكري فقد كان يحز في نفسي غياب موقفهم الواضح من الشرعية الشعبية للسلطة السياسية واكتفائهم بإسقاط الشروط العنصرية كالفاطمية والقرشية، ولا أستسيغ التكفير الضمني في مبدأ المنزلة بين المنزلتين، رغم أن هذا التكفير كان أكثر وضوحاً في كتابات الهادوية ولا سيما كتابات المؤسس الهادي يحيى بن الحسين الذي صرح بتكفير مرتكبي المعاصي وتكفير منكري أفضلية وإمامة علي بن أبي طالب وذريته. وكنت أعلم أن للفقيه المعتزلي المجتهد أبي بكر الأصم أحد أعلام القرن الثاني الهجري آراء مخالفة في بعض هذه المسائل لم أجد فرصةً لتتبعها، ومؤخراً حاولت استقصاء هذه الآراء فوجدت نفسي أمام كنز من كنوز الفكر الإسلامي العقلاني الذي تعرض للإهمال والتغييب المتعمد. ولتعميم الفائدة أود أن أضع أمام القارئ أهم ما تتبعته على أمل أن أعود بإذن الله في وقت لاحق لتقديم قراءة تحليلية مقارنة لهذه الآراء.

 

 

ومن أهم هذه الآراء ما يلي:

 

·         لا تنعقد الإمامة السياسية إلا بالأغلبية العددية ولا اعتبار لشرط القرشية أو العلوية الذي يتناقض مع مبدأ المساواة والأخوة الإيمانية، وهو في موقفه هذا يتفق مع مبدأ التوحيد والعدل عند المعتزلة خلافاً لمن يتوهمون أنهم يتبنون عقيدة العدل والتوحيد ويؤمنون بالولاية الكهنوتية العنصرية.

·         كان يرى صحة ولايات أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية لأنها قامت على الأغلبية العددية، ولا يؤمن بصحة ولاية علي بن أبي طالب لأنها افتقدت إلى شرعية الإجماع، وهو هنا لا يتحيز ضد علي بن أبي طالب ولكنه يتفق مع منهجه في أصل المشروعية السياسية، ومن أدلة عدم تحيزه، أنه كان يرى بأفضلية علي على معاوية ولكن هذه الأفضلية لا يترتب عليها أي استحقاق خاص بالإمامة، لأن الإمامة السياسية عقد اجتماعي مرتبط بالناس لا تصح إلا بموافقة الناس ورضاهم وهو ممن يؤمنون بصحة إمامة المفضول بوجود الفاضل لأنه يرى أنه لا وجود لفاضل يضل دائما فاضلا ولا لمفضول يضل دائماً مفضولا،، ومما يدل على عدم تحيزه ضد علي  أن بعض مفسري الشيعة كالإمام الطوسي نقلوا عنه اتفاقه مع علي في بعض المسائل الفقهية التي انفرد به علي.

·         أبطل شرعية زواج الصغيرات لأنه زواج قائم على ولاية الاستبداد والإكراه ويتناقض مع مبدأ الحرية والاختيار ولا حجة فيما يعد من خصوصيات الأنبياء.

·         أبطل فتاوى التفريق بين دية الرجل والمرأة، وأكد أن النفس الإنسانية واحدة واتفق مع الخوارج في وجوب الدية.

·         ورغم اعتزاليته فقد أبطل بدعة المعتزلة والهادوية الزيدية في تكفير أهل التوحيد ممن وقعوا في المعاصي، وبرّر ذلك بأن الإيمان مجموع من كل الطاعات وأن مرتكب الكبيرة فاسق بسبب ذنبه، إلا أنه ولكونه يؤمن بالتوحيد ويطيع، فهو مؤمن ولا يخرج عن دائرة الإيمان.

·         وخالف المعتزلة في رفضه لشرعية استخدام العنف من أجل انتزاع السلطة أو الأمر بالمعروف والنهي عن والمنكر، وأكد أن شرعية استخدام العنف من خصوصيات السلطة السياسية التي تستند في استخدام العنف إلى تفويض من أغلبية عددية من الناس وهنا نجده يتفق كثيراً مع تنظيرات ماكس فيبير لدور الدولة.

·         يرى الأصم أن شرعية أي ثورة سياسية ترتبط بالحرص على تسليم السلطة للناس ليختاروا من يحكمهم بالإجماع وتسقط شرعيتها إذا كان الغرض منها الاستحواذ على السلطة باسم الحق الإلهي أو القبلي أو لفرض شرعية السيف.

·         اقترب الأصم من بعض التنظيرات الماركسية والليبرالية التي ترى عدم الحاجة إلى الدولة فأبطل القول بالوجوب الديني للخلافة أو الولاية وقيام الدولة وقال: لو تناصف الناس وتعاونوا على البر والتقوى وتناهوا عن الإثم والعدوان لاستغنوا عن الدولة، وقال إن المجتمع يمكن أن يدير شؤونه بغياب الدولة بما في ذلك تطبيق أحكام الشريعة. وهو هنا يتفق مع التنظيرات الحديثة التي ترى أن الدولة شرٌ قد تفرضه الضرورة عندما يفتقد المجتمع إلى الرشد الإنساني في إدارة شؤونه أو القدرة على التحسين والتقبيح بلغة المعتزلة.

·         اقترب أبوبكر الأصم من النظرية المادية حين قال إنه لا يؤمن إلا بما تشاهده وتلمسه الحواس، ولهذا كان لا يؤمن بالروح، فالإنسان عنده هو الذي يُرى وهو شيء واحد لا روح له، وهو جوهر واحد، والشيء الوحيد عند الأصم الذي لا يمكن إدراكه بطريق الحواس هو الله.

·         رفض في تفسيره طريقة أهل الأهواء في تعضية الآيات القرآنية واخراجها من سياقها للاستدلال بها على مذاهبهم الفاسدة، كما يفعل علماء الإمامة الكهنوتية في الادعاء بوجود ثلاثمائة آية قرآنية على إمامة وأفضلية علي بن أبي طالب وذريته، دون تورع من الكذب على الله واجتزاء النصوص من سياقاتها.

·         كان للأصم رأي متميز في فتنة القتال بين علي ومعاوية يشبه الحياد، ولكنه في حقيقته يتضمن تخطئة للطرفين ويتفق مع منهجه في الشرعية السياسية، فقد قال: أن من قاتل منهما- علي أو معاوية- للدفاع عن حق الناس في اختيار من يحكمهم بأغلبية الإجماع فقد أصاب، ومن قاتل من أجل الاستحواذ على السلطة لنفسه فقد ظلم وأخطأ.

·         وكان رأي الأصم في تحكيم علي متفقاً مع نفس المنهج، فقال: إذا كان تحكيم علي للاستحواذ على السلطة فهو غير جائز، وإذا كان من أجل إعادة الأمر إلى الناس ليختاروا أميرهم بالإجماع فقد أصاب. ويرى الأصم أن أبا موسى أصاب حين خلع علياً حتى يجتمع الناس على إمام جديد بأغلبية الإجماع.

 

وكل منصف يتأمل هذه الآراء يجدها من أجمل الآراء التي ينشرح لها الصدر، ويقبلها العقل وأكثرها انسجاماً مع قواعد الإسلام والمبادئ الكلية ولو اختلف معه في بعضها.  ولعلى هذه الآراء كانت سبب احترام الكثير من جهابذة الفرق الإسلامية وأئمة المذاهب المختلفة للإمام أبي بكر الأصم، فقد أشاد به حتى الحنابلة، فهذا ابن تيمية يقول عنه في مناهج السنة "وعبد الرحمن الأصم – وإن كان معتزليًّا – فإنه من فضلاء الناس وعلمائهم، وله تفسير، وهو من أذكياء الناس وأحدُّهم ذهنًا، وإذا ضل في مسألة لم يلزم أن يضل في الأمور الظاهرة ".

وقال عنه الإمام الذهبي" وكان ديناً وقوراً، صبوراً على الفقر، منقبضاً عن الدولة، إلا أنه كان فيه ميل عن الإمام علي مات سنة 201هـ. " وقد أخطأ   الذهبي في تفسيره لموقف الأصم من خلافة علي، فقد أكدنا أنه ليس ميلاً شخصياً، وفقد كان يرى بأفضلية علي رضي الله عنه بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وموقف الأصم من خلافة علي منسجم مع منهجه في اشتراط إجماع الأغلبية العددية.

   وذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي بأن أبا علي الجبائي المعتزلي لا يذكر أحداً في تفسيره إلا الأصم لإعجابه بمنهج الأصم في التفسير. ومن أشهر تلامذة الأصم المحدث والفقيه ابن علية.

 

 

 

مقالات قد تهمك

تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات
آراء

تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات

تحولات سياسية في المجر تعيد تشكيل توازنات الاتحاد الأوروبي بعد خسارة فيكتور أوربان، وتفتح نقاشًا حول قدرة أوروبا على استعادة تماسكها في مواجهة الأزمات، مع احتمالات امتداد التأثير إلى الشرق الأوسط وأمن الممرات البحرية.

منذ 3 أسابيع
من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ 4 أسابيع
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ شهر